تقرير حول الانتهاكات الإسرائيلية ضد الطواقم الطبية الفلسطينية

 

الطواقم الطبية الفلسطينية

بين نيران قوات الاحتلال الإسرائيلي ومهمة نقل وإسعاف
القتلى والجرحى والمرضى

 

تقرير حول الإنتهاكات الإسرائيلية ضد الطواقم الطبية الفلسطينية خلال العدوان على قطاع غزة
27/12/2008- 13/1/2009

مقدمة

يحذر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان من انهيار كافة الخدمات الإنسانية في قطاع غزة، وبشكل خاص الخدمات الصحية، في ظل استمرار العدوان الذي تشنه القوات الحربية المحتلة لليوم الثامن عشر على التوالي، والذي طال رجال المهمات الطبية وطواقم الإغاثة الإنسانية. ويدعو المركز المجتمع الدولي، وخاصة الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949، والخاصة بحماية المدنيين في أوقات الحرب، إلى وقف مؤامرة الصمت المخجل، وقمع الانتهاكات الجسيمة، بما فيها جرائم الحرب التي لا تزال تمارسها القوات المحتلة ضد طواقم الإغاثة الإنسانية والفرق والطواقم الطبية في المنشآت الطبية الثابتة والميدانية، بما فيها عربات إسعاف ونقل القتلى والجرحى والمرضى، وعربات الدفاع المدني، ووقف استهداف المنشآت الطبية أو أية مواقع تحيط بها حفاظاً على سلامة المرضى والجرحى والعاملين فيها. كما يدعو المركز المجتمع الدولي للعمل الفوري من أجل وقف هذا العدوان وضمان تدفق إمدادات الأدوية والمستلزمات الطبية والأغذية إلى قطاع غزة، ووقف كافة أشكال استهداف فرق وطواقم الإغاثة الإنسانية.

ووفقاً لتوثيق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، والإفادات التي جمعها باحثوه من العديد من شهود العيان، بمن فيهم رجال المهمات الطبية والجرحى وأفراد أسرهم، ارتكبت القوات الحربية المحتلة، وفي انتهاك واضح لاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، وبخاصة لنطاق الحماية التي توفرها لهم، انتهاكات جسيمة ترتقي لكونها جرائم حرب ضد أفراد الطواقم الطبية. ومنذ بدء العدوان على سكان قطاع غزة، في 27/12/2008 وحتى لحظة صدور هذا التقرير، قتلت القوات الحربية المحتلة 7 أفراد من الطواقم الطبية، وأصابت العشرات منهم خلال قيامهم بإخلاء ونقل القتلى وتطبيب الجرحى والمصابين والمرضى. واستهدفت القوات المحتلة بقصفها البري والبحري والجوي العديد من المنشآت الطبية، وسيارات الإسعاف التابعة للفرق الطبية العاملة في القطاع، ومنعتها من الوصول إلى الضحايا من القتلى والجرحى.

وقد مثلت تلك الاعتداءات الصارخة تقويضاً لعمل رجال الطواقم الطبية وفرق الإسعاف، وحالت دون وصولهم إلى العشرات من الضحايا من القتلى والجرحى، وخاصة في صفوف السكان المدنيين، في العديد من مناطق القطاع التي تعرضت للأعمال العسكرية العدوانية. وقد نجم عن ذلك معاناة إضافية بين صفوف القتلى والجرحى، والذين تركوا دون أن تتمكن الفرق الطبية من الوصول إليهم إلا بعد أكثر من 72 ساعة في الكثير من الأحيان. وقد فارق الحياة العديد من الجرحى الذين تركوا ينزفون في العديد من أحياء القطاع التي تعرضت لاجتياح القوات الحربية الإسرائيلية المحتلة. وعجزت فرق وطواقم الإسعاف، بما فيها عربات الدفاع المدني من الوصول إلى المنازل والمنشآت التي تعرضت لعمليات قصف أدى إلى تدميرها واشتعال النيران فيها، في الغالب، من أجل انتشال الضحايا من القتلى والجرحى والمصابين، بسبب تمركز القوات المحتلة البرية فيها واستمرار عمليات قصفها جواً وبحراً أحياناً. وقد منعت تلك الطواقم من أداء مهامها الإنسانية رغم التنسيق المسبق الذي كانت تقوم به، عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والتي عبرت في العديد من المناسبات عن شجبها للاعتداءات التي تعرضت لها فرق وطواقم الإسعاف، وفرق الإغاثة الإنسانية. وطالبت السلطات الحربية المحتلة باحترام قواعد القانون الإنساني الدولي، وحرية حركة وعمل هذه الفرق والطواقم من أجل إجلاء القتلى والجرحى. ويشتبه المركز، واستناداً إلى الحقائق والدلائل التي جمعها، إلى أن العشرات من الضحايا بين صفوف الجرحى قد فارقوا الحياة لعدم حصولهم على العناية الطبية اللازمة من أجل إنقاذ أرواحهم من قبل القوات المحتلة. كما أن تلك القوات منعت رجال المهمات الطبية من الوصول إليهم لتطبيبهم وإسعافهم، ولعدة أيام، ورغم المحاولات المتكررة التي كانت تقوم بها تلك الطواقم وبتنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

ويسلط هذا التقرير الضوء على أبرز تلك التطورات وأهمها، والتي تمكن فيها باحثو المركز من الوصول إلى الضحايا وشهود العيان، ومقابلة العديد منهم، فضلاً عن مقابلة المسؤولين في وزارة الصحة، والمسئولين في المنظمات الإنسانية، وذلك منذ بدء العدوان العسكري للقوات الحربية الإسرائيلية المحتلة على قطاع غزة، في يوم السبت، الموافق 27/12/2008، وحتى يوم الثلاثاء، الموافق 13/1/2009.

انتهاك الحق في الحياة والأمان الشخصي لرجال المهمات الطبية وطواقم الإغاثة الإنسانية

يمثل الحق في الحياة والحرية والأمان الشخصي حقاً أساسياً من حقوق الإنسان المقرة في القانون الدولي لحقوق الإنسان، وتنص المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن: "لكل فرد حق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه". كما تنص المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن " الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان، وعلى القانون أن يحمي هذا الحق. ولا يجوز حرمان أحد من حياته بشكل تعسفي". وتحظر اتفاقية جنيف الرابعة، الصادرة في 12 آب/ أغسطس 1949، والخاصة بحماية المدنيين زمن الحرب، الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وأعمال القتل بجميع أشكاله، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب ضد الأشخاص المحميين بموجب تلك الاتفاقية. كما توفر تلك الاتفاقية، والبروتوكولين الإضافيين الملحقين باتفاقيات جنيف لعام 1949، نطاق حماية خاصة لرجال المهمات الطبية وطواقم الإغاثة الإنسانية، وذلك في المواد من المادة 14 وحتى المادة 24 من الاتفاقية، وتكفل احترام مبدأ حرية الحركة والتنقل لرجال المهمات الطبية، والعمل على توفير التسهيلات اللازمة من أجل قيام هؤلاء الأفراد بمهامهم، والتي تشمل القيام بعمليات إجلاء ونقل وإسعاف الجرحى والمرضى والنساء الحوامل أو النفاس والتطعيمات اللازمة للأطفال. وتنص المادة 21 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 على أنه: " يجب احترام وحماية عمليات نقل الجرحى والمرضى المدنيين والعجزة والنساء النفاس التي تجري في البر بواسطة قوافل المركبات وقطارات المستشفى....وذلك على قدم المساواة مع المستشفيات المشار إليها في المادة 18. كما تنص المادة 23 من نفس الاتفاقية على أن: " على كل طرف من الأطراف السامية المتعاقدة، أن يكفل حرية مرور جميع رسالات الأدوية والمهمات الطبية ومستلزمات العبادة المرسلة حصراً إلى سكان طرف متعاقد آخر المدنيين، حتى لو كان خصماً. وعليه كذلك الترخيص بحرية مرور أي رسالات من الأغذية الضرورية، والملابس، والمقويات المخصصة للأطفال دون الخامسة عشرة من العمر، والنساء الحوامل أو النفاس… يجب أن ترسل هذه الرسالات بأسرع ما يمكن....".

تشير الإفادات التي تم جمعها من الضحايا، شهود العيان ورجال المهمات الطبية، إلى أن القوات الحربية المحتلة قتلت 7 رجالاً من أفراد الطواقم الطبية، من بينهم طبيبان، بينما كانوا يحاولون إجلاء القتلى والجرحى وتقديم الإسعافات اللازمة لهم، ورغم أنهم كانوا يتميزون بالشارات المميزة للفرق والطواقم الطبية. كما قتلت القوات الحربية المحتلة سائقاً متعاقداً مع وكالة الغوث الدولية أثناء قيامه بمهامه في إدخال المساعدات الإنسانية قرب معبر بيت حانون( إيريز) وأصيب آخر بجروح وصفت بأنها خطيرة. وأعلنت الأنروا عن تعليق كافة نشاطات الوكالة في القطاع، ولمدة يوم واحد، بعد أن تعمدت القوات الحربية المحتلة استهداف مؤسساتها، بما فيها موظفي الإغاثة، رغم أنهم يتميزون في المواقع الميدانية المختلفة بالأعلام الزرقاء الواضحة، ورغم التنسيق المسبق مع القوات الحربية المحتلة في تحركات وتنقلات طواقم العاملين فيها.

ووفقاً لمتابعة طواقم المركز لجرائم الحرب، والتي لا تزال تقترفها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي ، فقد كثفت تلك القوات من عمليات استهدافها للفرق والطواقم الطبية الفلسطينية العاملة في مناطق العمليات العسكرية، وقامت بانتهاك حقها في القيام بمهامها الإنسانية، وتقديم خدمات العلاج والاستشفاء والإسعاف للمرضى والجرحى والمصابين. كما منعت عمليات نقل الضحايا من القتلى سواءً المدنيين أو العسكريين، وهو ما يشكل انتهاكا خطيرا بموجب اتفاقيات جنيف لعام 1949. ورغم النداءات المتكررة التي صدرت عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، العاملة في القطاع، أو تلك النداءات المتكررة، والصادرة عن جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني والعديد من المؤسسات الإنسانية الدولية، إلا أن القوات الحربية المحتلة استمرت في اعتداءاتها على الطواقم الطبية الفلسطينية. كما أصيب العشرات منهم بإصابات مختلفة نتجت عن استهداف سيارات الإسعاف، أو بسبب قصف تعرضت له المنشآت الطبية أو محيطها.

وتشير التحقيقات الأولية، والتي أجراها المركز، إلى أن عمليات قتل وإصابة أعضاء الطواقم والفرق الطبية، على أيدي قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، لم تكن تتم فقط بسبب الاستخدام المفرط للقوة العشوائية في معظم الأحيان، وعدم تفريق هذه القوات بين العسكريين من ناحية والمدنيين ورجال المهمات الطبية من ناحية ثانية. بل كانت عمليات تهدف، وبشكل واضح، إلى ترويع وترهيب رجال المهمات الطبية، ومنعهم من تقديم أي نوع من الخدمات الصحية والعلاجية للجرحى و المرضى. وقد منعت قوات الاحتلال بالفعل تقديم أي نوع من الخدمات الصحية من قبل الطواقم الطبية في معظم المناطق التي تعرضت للأعمال الحربية العدوانية في القطاع منذ تاريخ بدئها في 27/12/2008.

المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان قام برصد وتوثيق حالات القتل التي استهدفت أعضاء الطواقم الطبية على أيدي قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، وفرق العمل الإنسانية. وفيما يلي عرضاً لها:

طائرة حربية إسرائيلية تستهدف سيارة إسعاف فتقتل طبيباً ومسعفاً

في حوالي الساعة 12:30 فجر يوم الأربعاء الموافق 31/12/2008، أطلقت طائرة حربية إسرائيلية صاروخاً باتجاه مجموعة من أفراد المقاومة كانوا يتواجدون بالقرب من منطقة جبل الريس، شرقي مدينة غزة، مما أدى إلى مقتل أحدهم على الفور، وإصابة آخر بجراح. وبعد ساعة تقريباً، توجهت سيارة إسعاف تابعة لوزارة الصحة الفلسطينية للمنطقة نفسها لنقل الجريح، فاستهدفتها الطائرات الحربية بصاروخ آخر. أسفر ذلك عن مقتل المسعف الذي بداخلها، ويدعى محمد سعيد أبو حصيرة ،21 عاماً، فيما أصيب الطبيب إيهاب عمر المدهون، 35 عاماً، بجراح خطيرة، حيث أعلنت المصادر الطبية مقتله في وقت لاحق متأثراً بجراحه. كما أصيب سائق سيارة الإسعاف الذي كان يرافقهما، وهو حشمت عجور، 30 عاماً، ووصفت حالته بالخطرة.

صاروخ إسرائيلي يودي بحياة ثلاثة من أعضاء الفرق الطبية

بتاريخ 4/1/2009، قتلت القوات الحربية الإسرائيلية المحتلة ثلاثة أعضاء من فرق الطواقم الطبية الفلسطينية عندما توجهت سيارتا إسعاف لتلبية نداء استغاثة من أحد سكان منطقة الدحدوح، جنوب حي تل الهوى في مدينة غزة، لنقل عدد من الجرحى الذين تعرضوا لقصف جوي. وقد أطلقت الطائرات الحربية عدة صواريخ لحظة وصول سيارتي الإسعاف إلى المنطقة في محاولة منها لانتشال الجرحى والمصابين في تلك المنطقة. وقد نزل ثلاثة مسعفين يحملون حمالات نقل الجرحى والمرضى في أحد الشوارع الترابية، غير أنهم تعرضوا لصاروخ آخر من طائرة حربية، أدى لمقتلهم على الفور. والقتلى هم كل من: 1) ياسر كمال شبير، 24 عاماً؛ 2) أنس فضل نعيم، 25 عاماً؛ و3) رأفت عبد العال، 24 عاماً.

وأفاد يحيى عبد الحليم عبد الحميد حسن، 38 عاما، من سكان تل الهوى، وهو أحد أعضاء الفرق الطبية وكان يقود إحدى سيارات الإسعاف في الحادثة، لباحث المركز بما يلي:

" في حوالي الساعة الرابعة من عصر يوم الأحد،الموافق 4/1/2009، كنت على رأس عملي في مستشفى فتا الطبي في حي تل الهوى في مدينة غزة، حيث تلقينا اتصالاً من عدة مواطنين يقطنون في منطقة الدحدوح، جنوب حي تل الهوى بوجود عدد من الإصابات في المنطقة. وعلى الفور قدت سيارة الإسعاف نحو المنطقة،وكان يرافقني كل من المسعفين أنس فضل نعيم، رأفت عبد العال بالإضافة إلى مسعف آخر لا أعرف اسمه. كما توجهت معي إلى نفس المنطقة سيارة إسعاف كان يقودها السائق حازم البراوي، ويرافقه فيها المسعف ياسر كمال شبير. وعند وصولنا المكان المنطقة، وهي امتداد شارع المحافظة الترابي، قابلنا طفلاً يبلغ نحو 8 سنوات يصرخ علينا،حيث أشار لنا لمكان المصابين باتجاه شوارع رملية يصعب علينا دخولها. نزل المسعفون وأخذوا الحمالات من مؤخرة سيارتي الإسعاف، وتوجهوا نحو المكان. وعند وصول المسعفين ياسر ورأفت وانس، وبرفقتهم الطفل إلى مكان الجرحى أطلق نحوهم صاروخ. وعلى الفور نزل زميلي السائق حازم البراوي من سيارته بعد أن علقت سيارته في الرمال، وعجز عن إخراجها، واضطر إلى الركوب في سيارتي وانطلقت منسحباً من المكان. واستمر إطلاق الصواريخ تجاهنا، وسقط صاروخ خلف سيارتي، ولم تصب، وسمعت صوت صاروخ ثالث بينما كنت أسير مسرعاً إلى أن وصلت المستشفى. وأبلغت مسؤول محطة الإسعاف بما حدث معنا، وهروبنا من المنطقة،بعد أن عجزنا عن إخلاء الجرحى أو زملائنا من المسعفين بسبب تعرضنا للقصف. وعلى الفور توجه مسئول المحطة بسيارة إسعاف إلى مقر الإسعاف، التابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني القريب منا، حيث توجهت ثلاث سيارات إسعاف للمنطقة مرة أخرى، حيث تمكنوا من إجلاء المسعفين الذين استشهدوا جراء القصف، حيث سمحت لهم القوات المحتلة بنقل جثة واحدة فقط في كل سيارة إسعاف. وقد ظل الشهيد المسعف رأفت عبد العال، والطفل وعدد آخر من الشهداء متواجدين في المكان، ولم تتمكن طواقمنا من إخلائهم، وعلمت أنه تم إخلائهم في وقت لاحق.".

القوات الحربية المحتلة تستهدف سيارة إسعاف فتقتل وتصيب عدداً من المواطنين بينهم مسعفاً

في حوالي الساعة 10:00 من صباح يوم الأحد، الموافق 4/1/2009، قصفت قوات الاحتلال تجمعاً للمواطنين بالقرب من مدرسة أبو عبيدة بن الجراح، في بيت لاهيا، شمالي القطاع. وقد هرع عدد من سكان المنطقة لإسعاف المصابين، كما توجهت سيارة إسعاف تابعة لمستشفى العودة إلى المكان لإخلاء الجرحى. وفي حوالي الساعة 10:10 صباحاً، تعرضت المنطقة إلى القصف مجدداً ما أسفر عن مقتل تسعة مواطنين من سكان المنطقة، من بينهم والد واثنان من أبنائه، وإصابة عدد من المواطنين، من بينهم اثنان من المسعفين.

وأفاد سائق سيارة الإسعاف خالد يوسف أبو سعدة، 43 عاماً، لباحث المركز بما يلي:

" في حوالي الساعة 10:15 صباح اليوم الأحد، الموافق 4/1/2009،تلقيت بلاغاً بوجود إصابات بالقرب من الدوار الغربي في بلدة بيت لاهيا. توجهت فوراً بسيارة الإسعاف التي أقودها إلى المنطقة، وكان يرافقني المسعفان عرفة هاني عبد الدايم، 33 عاماً؛ وعلاء أسامة سرحان، 26 عاماً. وعند وصولنا رأينا مصاباً، فتوجه نحوه المسعفان عرفة وعلاء، وقاموا بحمله حيث كان بحالة خطيرة وملقى على الأرض. وتقدمت بالسيارة نحو 10 أمتار أخرى لنقل مصاب آخر رأيناه ملقى على الأرض، إلا أن دبابة إسرائيلية أطلقت قذيفة تجاهنا فأصابت سيارة الإسعاف بشكل مباشر، ما أسفر عن مقتل 10 أشخاص، وإصابة عدد آخر بجروح، من بينهما مسعفان. وقد توفي المسعف عرفة هاني عبد الدايم في وقت لاحق متأثراً بالجراح التي أصيب بها.".

قذيفة مدفعية إسرائيلية تفصل رأس طبيب عن جسده وتصيب مسعفاً آخراً

في حوالي الساعة 4:10 بعد ظهر يوم الاثنين، الموافق 12/1/2009، أطلقت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي قذيفة مدفعية تجاه برج البنا، في شارع الزرقاء في مدينة جباليا. وعلى الفور وصلت ثلاث سيارات إسعاف، من كل من الخدمات الطبية العسكرية، الدفاع المدني ووزارة الصحة، وتوجه أفراد طواقمها إلى المبنى لإخلاء الضحايا. وقد تعرض نفس البرج، وبعد أقل من 7 دقائق إلى قصف بقذيفة مدفعية أطلقها جنود القوات المحتلة، وذلك خلال قيام أفراد الفرق الطبية بنقل أحد القتلى الذي فصل رأسه عن جسده جراء عملية القصف الأولى. أصابت القذيفة الطبيب عيسى عبد الرحيم صالح، 32 عاماً، وهو من أفراد الخدمات الطبية العسكرية، مباشرة، وفصلت رأسه عن جسده. وقد ارتطم الرأس بزميله المسعف أحمد عبد الباري أبو فول، 25 عاماً، وهو من أفراد الدفاع المدني، حيث كان يحمل مع الطبيب صالح جثة أحد القتلى، والذي أصيب بشظايا في رأسه وظهره. وقد نقلا بواسطة سيارة إسعاف إلى مستشفى الشهيد كمال عدوان.

وأفاد المسعف أبو فول لباحث المركز في المستشفى، أنه نزل وكافة أعضاء الفرق الطبية لإخلاء الضحايا من القتلى والجرحى جراء قصف المبنى من طائرة استطلاع، وأنهم كانوا واضحين ومميزين بلباسهم. وأضاف أن سيارات الإسعاف والدفاع المدني التي وصلت للمبنى كانت مميزة بأعلام وبالعلامات المميزة لها، وأنه فوجئ بتعرضهم للقصف المدفعي العشوائي، والذي أودى بحياة الطبيب عيسى صالح. ولا يزال المسعف أبو فول يرقد في المستشفى لتلقي العلاج، وهو يعاني صدمة أيضاً لهول ما شاهده.

إن مهاجمة قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي لفرق العمل الطبية الفلسطينية لا يعدو كونه عملاً غير متعمد أو مقصود، أو حادث عرضي واحد بسبب خطأ ما، أو نتيجة خطأ فردي صادر من أحد أفراد جنوده. بل على العكس تشير المعطيات المتوفرة إلى أن الإفراط في استخدام القوة القاتلة ضد هؤلاء الأشخاص المحميين وضد عربات الإسعاف التي يستقلونها تعزز النية المبيتة للجنود بالعمل على قتلهم وإصابتهم وتدمير سياراتهم. ومنذ بدء العدوان وحتى اليوم سقط سبعة قتلى من رجال المهمات الطبية، من بينهم طبيبان، فيما أصيب أكثر من 20 منهم بجروح مختلفة، وذلك خلال قيامهم بمهامهم الإنسانية، وإخلاء القتلى والجرحى من كافة مناطق القطاع التي تتعرض للعدوان.

قوات الاحتلال تفتح النيران فتقتل أحد أفراد طواقم الإغاثة الإنسانية التابع للأنروا

بتاريخ 8/1/2009 فتحت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي نيرانها تجاه قافلة من الشاحنات، التي كانت تنتظر وصول المساعدات الإنسانية للأنروا، فقتلت سائقاً متعاقداً مع وكالة الغوث الدولية، وأصابت آخراً بينما كانا ينتظران قرب معبر بيت حانون(إيريز)، لإدخال المساعدات الإنسانية الخاصة بالوكالة إلى سكان القطاع. ووفقاً للمعلومات التي وثقها المركز، فقد أطلق جنود القوات الحربية المحتلة المتمركزة على المعبر النيران تجاه مجموعة من السائقين الذين كانوا ينتظرون تحميل المساعدات الإنسانية ونقلها إلى القطاع، ما أدى إلى مقتل السائق بسام قوطة، 32 عاماً، من سكان جباليا، ويتبع لشركة شحيبر للنقليات المتعاقدة مع الأنروا، وأصيب سائق آخر بجراح.

وقد أعلنت وكالة الغوث الدولية( الأنروا ) عن تعليق كافة أنشطتها في قطاع غزة، وذلك بعد تعرض أفراد طواقمها الإنسانية إلى عملية استهداف واضح. وقال السيد جون غينغ، في مقابلة مع تلفزيون الجزيرة، ليلة الخميس، الموافق 8/1/2009، أن الأنروا قررت تعليق كافة عملياتها وأنشطتها، بما في ذلك برنامج مساعداتها الغذائية لنحو 750000 لاجئ فلسطيني من سكان القطاع، فضلاً عن كافة المدارس والمعاهد التابعة لها، بعد أن تكرر استهداف القوات الحربية المحتلة لمؤسسات الأنروا في القطاع. وطالب بتطبيق اتفاقية جنيف الرابعة، والخاصة بحماية طواقم وفرق الإغاثة الإنسانية ومؤسساتها من العمليات العسكرية. وقال الناطق الإعلامي للأنروا أن الوكالة قررت تعليق كافة العمليات، لأن الوضع أصبح خطيراً جداً، وهناك أعمال عدائية خطيرة تنفذها إسرائيل في القطاع. وأكد تعرض شاحنات للأنروا قرب معبر إيريز للقصف الإسرائيلي رغم التنسيق المسبق مع إسرائيل، ما أدى إلى استشهاد أحد أفراد الطاقم، وإصابة آخر، وهما من شركة نقل متعاقدة مع الأنروا. وقد تعرضت سيارة السيدة جودي كلارك، مساعدة مدير الأنروا في القطاع، لقصف إسرائيلي، غير أنها كانت مصفحة، ولم تصب بأذى. وقد أصبح معبر كرم أبو سالم(كيرم شالوم) مغلقاً كونه لا يوجد أي من أفراد طواقم التشغيل، التابعة لشركات النقل في المعبر احتجاجاً على مقتل زميلهم، رغم قيام الأنروا بإبلاغ السلطات الحربية المحتلة بكافة الإحداثيات الخاصة بمؤسساتها وتحركات موظفيها ووسائط النقل الخاصة بالوكالة الدولية.

غير أن الوكالة الدولية قررت إستئناف نشاطاتها في يوم السبت، الموافق 10/1/2009، وذلك بعد أن تعهدت سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي في لقاء مع مفوضة الأنروا بعدم التعرض لمؤسسات الوكالة الدولية وأفراد طواقمها العاملين في القطاع.
منع وصول رجال المهمات الطبية لإجلاء وانتشال القتلى والجرحى

تشير التحقيقات الأولية، والتي لا يزال يقوم بها المركز مع الضحايا وشهود العيان، إلى أن رجال المهمات الطبية، بمن فيهم طواقم الدفاع المدني، واجهت ظروفاً بالغة الخطورة حالت دون وصولهم الحر والآمن إلى مناطق العمليات الحربية في القطاع، وعرقلت جهودهم في إجلاء الجرحى والمصابين وتطبيبهم. وقد ترك المئات من هؤلاء الضحايا يعانون من جراحهم وإصاباتهم الخطرة. واضطر العديد من السكان المدنيين، والذين تعرضوا إلى القتل أو الإصابة، وبسبب استهداف القوات المحتلة لفرق وطواقم الإسعاف، إلى البقاء في أماكنهم لعدة أيام، دون أن تتمكن هذه الطواقم من الوصول إليهم، ورغم المحاولات الحثيثة التي بذلت من قبل الفرق الطبية واللجنة الدولية للصليب الأحمر للتنسيق مع القوات الحربية المحتلة، من أجل الوصول إليهم وإجلائهم.

وقد وثق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان المئات من الحالات التي تعرض خلالها السكان المدنيون إلى الإصابة جراء القصف العشوائي للقوات الحربية الإسرائيلية المحتلة، دون أن تتمكن الفرق والطواقم الطبية من الوصول إليهم وإجلائهم وتطبيبهم. وقد تركزت تلك الحالات في العديد من مناطق القطاع، خاصة تلك التي تعرضت لاجتياح القوات البرية المحتلة، حيث ترك العشرات منهم ينزفون حتى الموت. وعانى القتلى والجرحى في مناطق حي الزيتون، حي الشجاعية، منطقة الشيخ عجلين وأبراج الكرامة في غزة، ومنطقة حي السلاطين، العطاطرة، منطقة عزبة عبد ربه ومنطقة الشيماء في محافظة شمال غزة. وقد عاش الجرحى والمصابون فيها، ومعظمهم من المدنيين، ولعدة أيام، ظروفا رعب طويلة، قاسوا خلالها من خطورة جراحهم وتدهورت أوضاعهم الصحية، ولدرجة بلغت أن بعضهم توفي قبل وصول طواقم الإسعاف إليهم. وقد تمكنت فرق الطواقم الطبية من انتشال وإجلاء العشرات من الجثث والجرحى بعد أربعة أيام، خاصة من حي الزيتون في مدينة غزة. وفيما يلي بعض هذه الإفادات:

وقد وصف ماهر حسين نصار، 44 عاما، متزوج ويعيل أسرة من 5 أفراد ، من سكان حي العطاطرة، في شمال قطاع غزة، لباحث المركز المعاناة التي تكبدها أفراد أسرته عندما أصيب كافة أفراد أسرته جراء القصف العشوائي لمنزله. وأفاد بما يلي:

" في حوالي الساعة السادسة من مساء يوم الأحد، الموافق 4/1/2009، ومع بداية الاجتياح البري لمنطقتنا، خرجت وزوجتي وأطفالنا الخمسة من منزلنا بحثاً عن مكان أكثر أمناً. غير أننا لم نستطع مغادرة المنطقة بسبب إطلاق النيران الكثيف، وقنابل الدخان التي أطلقها جنود الاحتلال، وأدت إلى انعدام الرؤية في كل المنطقة. كما لم نجد أي وسيلة مواصلات تخرجنا من المنطقة، خاصة أن جميع الشوارع فيها كانت قد تعرضت لقصف عنيف قبل بداية الهجوم البري بعدة ساعات، أدى إلى إحداث حفرات عميقة فيها. و اضطررت للعودة إلى المنزل بسبب حالة الفزع والخوف التي أصابت زوجتي وأطفالي، وعدم قدرتنا على الخروج من المنطقة. وخلال الليل لم يستطع أي من أفراد أسرتي النوم، خاصة مع ازدياد وتيرة إطلاق النيران والقذائف من قبل قوات الاحتلال، والتي كانت تتقدم باتجاه الحي. وانقطعت خطوط الكهرباء وانفجرت شبكات المياه خلال عمليات القصف العشوائي. وفي ساعات فجر يوم الاثنين، الموافق 5/1/2008، سمعت أصوات قذائف تسقط على منازل جيراننا. وفي حوالي الساعة الخامسة صباحاً سقطت قذيفة على منزلنا، والمكون من طابق أرضي، وأصابت أحد جدرانه، فأصيب كل أفراد أسرتي. وسقطت قذيفة أخرى بعد أقل من 10 دقائق على سقوط القذيفة الأولى، وأصيبت زوجتي، وثلاثة من أبنائي كانوا يجلسون بجوارها، وهم: ألاء 9 سنوات، ياسمين 8 سنوات ومحمد، 5 سنوات. واتصلت بمحطة الإسعاف، وأبلغني أحد موظفيها أنه سيرسل سيارة إسعاف لنا، وبقيت أنتظر وصولها أكثر من ساعة. وعدت للاتصال بهم مرة أخرى، فأبلغني موظفها أن سيارة الإسعاف غير قادرة على الوصول إلى المنطقة، بسبب القصف الشديد الذي تتعرض له. وحاولت علاج زوجتي وأولادي بالإسعافات الأولية، وبعض العلاج المتوفر في بيتي، رغم خطورة إصاباتهم، ولمدة يومين كاملين. وقد عانينا كثيراً بسبب انقطاع الماء والكهرباء، وعدم قدرة سيارات الإسعاف على الوصول إلينا لإخلائنا من منزلنا، وعشنا أجواءً من الرعب والخوف الشديدين بسبب استمرار عمليات القصف وإطلاق النيران حولنا. وفي صباح يوم الثلاثاء خرجت وأفراد عائلتي من منزلنا، وسرنا مشياً على الأقدام، ووسط إطلاق النار، لنحو 300 متراً، حيث وجدنا سيارة إسعاف قامت بنقلنا إلى مستشفى كمال عدوان. وقد تم علاج زوجتي وأبنائي، وما تزال ابنتي ياسمين تعالج في المستشفى جراء المضاعفات التي أصابتها لتأخر علاجها ليومين.".

* وأفاد محمد السلطان، 25 عاماً، من سكان حي السلاطين في بيت لاهيا، لباحث المركز أن أحد أقاربه، وهو محمد على احمد السلطان، 53 عاما، من حي السلاطين، متزوج ويعيل أسرة من 8 أفراد، قد أصيب بالقرب من منزله بشظايا قذيفة أطلقت باتجاه مجموعة من الأفراد المدنيين في الساعة الواحدة ظهرا من يوم الأربعاء 7/1/2008. وقد أصابت الشظايا ظهره، وسقط إثر ذلك على الأرض، ونظراً لعدم قدرة المسعفين و المواطنين من الوصول إليه ظل ينزف لنحو ساعة ونصف من دون أن يستطيع أحد الاقتراب منه. وخلال هذه الفترة حاول أقاربه الاتصال بسيارات الإسعاف، التي لم تستطع الوصول إلى المنطقة بسبب كثافة إطلاق النار، وتدمير كافة الشوارع المحيطة بالمنطقة، حيث استهدفت قوات الاحتلال قبل ذلك بيومين الشوارع المحيطة بالمنطقة بصواريخ أطلقتها طائرات الـ أف 16، وأحدثت فيها دماراً هائلاً وحفراً عميقة، جعلت من المستحيل المرور عبرها. وبعد نحو ساعة ونصف تمكنت سيارة إسعاف من الوصول إليه غير أن المسعفين وجدوه قد فارق الحياة، بسبب تعرضه لنزيف نجم عن إصابته لفترة طويلة.
* وأضاف السلطان، أنه في اليوم السابق لهذا الحادث، وفي حوالي الساعة التاسعة من صباح يوم الثلاثاء، الموافق 6/1/2009، أصيب محمد عبد الباري السلطان، 19 عاماً، برصاصة في رأسه برصاصة أطلقها أحد جنود القناصة بينما كان في داخل منزله، قرب مسجد الإيمان في الحي. وقال السلطان أنه تم الاتصال بسيارات الإسعاف فوراً، غير أن أي منها لم تستطع الدخول إلى المنطقة، بسبب كثافة إطلاق النار، ومنع سلطات الاحتلال لسيارات الإسعاف من الدخول إلى المنطقة. ومع مرور أكثر من ساعة استمر خلالها نزيف المصاب، اضطرت عائلته إلى المخاطرة، والخروج به وسط إطلاق النار الكثيف، ونقلته بسيارة خاصة تمتلكها العائلة إلى مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا.
* ووصف المواطن طلعت أسعد سعدي حمودة، 51 عاماً، ويعمل مديراً في وزارة الشؤون الاجتماعية، متزوج من المواطنة انتصار عبد الوهاب حمودة وعمرها 38 عام، وأب لـ 3 أولاد وبنتين، لمحامي المركز مقتل ولديه دون أن تتمكن فرق الإسعاف من الوصول إلى منزله، والذين ظلا ينزفان حتى الموت، فأفاد بما يلي:

" بتاريخ 11/9/2009، وفي حوالي الساعة 2:00 فجراً كنت أنا وأسرتي في منزلنا المكون من طابق أرضي مسقوف بالباطون، نختبئ في غرفة النوم الشمالية، وذلك بسبب صوت الإنفجارات و القذائف والأعيرة النارية التي تحدثها الآليات العسكرية وقوات الجيش الإسرائيلي خلال اجتياحها للمنطقة الذي بدأ في حوالي الساعة 12:00 من منتصف الليل، وفجأة وقع انفجار في المنزل المجاور لمنزلنا من الناحية الشمالية الذي تعود ملكيته للمواطن/ جواد الدحدوح، مما أدى إلى تطاير بعض الشظايا إلى داخل الغرفة الشمالية التي نتواجد فيها، وبحمد الله لم يصب أي شخص منا، فقمنا مباشرة بالتوجه إلى الممر الداخلي وسط المنزل خوفاً على حياتنا. أثناء تواجدنا في الممر سمعت أصوات آليات عسكرية إسرائيلية – دبابات – تقترب من المنزل، وفجأة قامت بإطلاق عدة قذائف مدفعية باتجاه المنزل أصابت الغرفة الغربية، واخترقت جدار الغرفة وجدار الممر، مما أدى مقتل ابني/ فارس طلعت أسعد حمودة وعمره عامين ونصف، الذي كان يتواجد بين أيدي والدته التي أصيبت أيضاً، بالإضافة إلى إبني/ محمود طلعت أسعد حمودة وعمره 17 عام الذي أصيب أيضاً بشظايا القصف المدفعي وهو طالب في الصف الثاني الثانوية في مدرسة الشيخ عجلين الثانوية للبنين، على إثر ذلك قمت مباشرة بالاتصال على الصليب الأحمر من أجل التنسيق لإحضار سيارات الإسعاف لإخلاء المصابين وإخلاؤنا ولكن الموظف الموجود أفادني بأنه لا يمكن عمل أي شيء إلا بعد الساعة 8:00 صباحاً، فقمت بالاتصال على محطة الإسعاف ومناشدتهم بالحضور لإسعاف المصابين وأيضاً قمت بالمناشدة على محطات الإذاعات المحلية ولكن دون جدوى، واستمر ابني/ محمود ينزف من أثر إصابته حتى فارق الحياة في حوالي الساعة 6:00 صباحاً. وفي حوالي الساعة 8:00 صباحاً قام ابني/ إيهاب طلعت حمودة وبعد قيام قوات الجيش الإسرائيلي بالانسحاب من المنطقة في تمام الساعة 7:30 صباحاً، بالتوجه إلى مستشفى القدس وإحضار سيارات الإسعاف التي قامت بانتشال جثة ابني/ فارس ومحمود، وقاموا أيضاً بأخذ زوجتي المصابة وتم نقلها إلى مستشفى الشفاء بغزة وذلك لخطورة وضعها الصحي، وتم إجراء العلاج اللازم لها وما تزال تتلقى العلاج لخطورة حالتها، ومن خلال الفحص الطبي تبين بأنها مصابة بشظايا في البطن ويدها اليمنى وكلتا ساقيها وبالوجه. نتيجة لعملية قصف المنزل وتوغل قوات الجيش الإسرائيلي في منطقة سكنانا قتل كل من ابني الطفل/ فارس، وابني محمود، وأصيبت زوجتي المذكورة أعلاه، وتضرر المنزل بشكل جزئي.".
دراسة حالة رقم (1): عرقلة عمل فرق الإسعاف التابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني واستهداف طواقمها

عانت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني من استمرار القوات الحربية المحتلة في استهداف فرقها وطواقمها الطبية، ومنعهم من الوصول إلى الضحايا من القتلى والجرحى طيلة أيام العدوان الماضية، ما أدى إلى تفاقم معاناة الجرحى والمرضى، ووفاة عدد منهم. وقد بقي العشرات من الجرحى والمرضى، بمن فيهم النساء الحوامل، دون رعاية طبية ما أدى إلى تدهور أوضاعهم الصحية. ووفقاً لتوثيق الجمعية فقد استهدفت القوات الحربية المحتلة العديد من عربات إسعاف ونقل القتلى والجرحى، خلال تنقلهم ومحاولات فرق الجمعية الطبية العاملين الوصول لإخلائهم وتطبيبهم. وفيما يلي أبرز تلك الاعتداءات التي طالتهم:

* بتاريخ 5/1/2009، أطلقت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي نيرانها تجاه سيارتي إسعاف تابعتين للجمعية، أثناء توجهما لنقل مصابين، ما ألحق أضراراً مادية بإحداها، ولحسن الحظ لم تحدث إصابات.
* وبتاريخ 6/1/2009، دخلت ثلاث سيارات إسعاف، تابعة للجمعية، ترافقها سيارة تابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر إلى منطقة السموني المنكوبة، بعد نجاح عملية التنسيق التي قامت بها اللجنة لنقل عدد من الجرحى والقتلى، الذين سقطوا منذ عدة أيام. وقد حاولت الجمعية على مدار الأربعة أيام الماضية التنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر للدخول إلى المنطقة، إلا أن جميع المحاولات فشلت.
* وفي نفس اليوم أصيب أحد أفراد الطواقم الطبية التابعة للخدمات الطبية العسكرية، ولحقت أضرار مادية بسيارتي إسعاف تابعتين للجمعية، بعد تعرضهما لغارة جوية إسرائيلية، أثناء محاولة نقل عدد من الإصابات والقتلى في جباليا.
* وفي نفس اليوم، وفي الساعة الخامسة مساء، توجهت سيارة إسعاف، تابعة للجمعية، إلى منطقة الساموني، جنوب مدينة غزة، بعد أن حصلت على الضوء الأخضر من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي قامت بالتنسيق مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي، لدخول السيارة لنقل مصاب. وعند وصولها إلى منطقة الحدث، أطلق جنود الاحتلال الإسرائيلي نيرانهم باتجاه سيارة الإسعاف، ما أدى إلى إصابتها بأضرار مادية. ولحسن الحظ لم تقع إصابات.
* ونفس اليوم أيضا، في حوالي الساعة السادسة من مساء أمس، أطلق جنود الاحتلال الإسرائيلي النار تجاه سيارة إسعاف تابعة للجمعية، في منطقة العطاطرة، ولم تقع إصابات أو أضرار. علماً أن تنسيقاً تم بين اللجنة الدولية للصليب الأحمر وسلطات الاحتلال الإسرائيلي، أعطي من خلاله الضوء الأخضر للسيارة بالتوجه إلى مكان الحدث.
* بتاريخ 7/1/2009 أصيب ضابط الإسعاف حسن العتال، وهو من جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، بجراح في فخذه الأيسر، أطلقها أحد جنود قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، أثناء محاولته إسعاف الجرحى الذين سقطوا في منطقة دوار زمو في محافظة شمال غزة.
* ووفقا لمصادر الجمعية، فقد أصيب العتال، والذي يعمل في الجمعية منذ 10 سنوات، خلال محاولته إخلاء أحد القتلى، بعد تلقيه نداءً من أحد المواطنين في المنطقة لإخلاء قتيل، وذلك بعد توقف إطلاق النار في تمام الواحدة والنصف من ظهر ذلك اليوم. وأشار العتال إلى أنه لم يتوقع استهدافه وزميله، نظرا لزيهما الذي يدل بوضوح على أنهما من الطواقم الطبية.

وقال العتال، الذي يرقد في مستشفى القدس، التابع للجمعية في غزة:

" توجهت إلى منطقة دوار زمو شمالي القطاع، بعد تلقي مركز الإسعاف نداء بوقوع إصابات، وترجلت من سيارة الإسعاف التي لم تستطع الوصول إلى مكان إطلاق النار بصحبة أحد المتطوعين. وبعد وصولي المكان أخذت حمالة الإسعاف، وتوجهت إلى أحد القتلى، الذي لم يكن أي من المواطنين يستطيع الوصول إليه بسبب إطلاق النار في ذلك الوقت. وفور وصولي إلى الجثمان وضعته على الحمالة، وهممت بنقله إلى سيارة الإسعاف، وبعد ثوانٍ معدودة تعرضت وزميلي المتطوع إلى إطلاق نار كثيف، ما أدى إلى إصابتي بعيار ناري في الفخذ الأيسر، فساعدني المتطوع على مغادرة المكان والتوجه إلى سيارة الإسعاف التي وقفت في مكان قريب، وتم نقلي إلى ".
مستشفى العودة في مخيم جباليا. ثم حولت إلى مستشفى القدس، التابع للجمعية في مدينة غزة، لاستكمال علاجي.".

* وفي نفس اليوم أصيب اثنان من مسعفي الجمعية بجراح نتيجة تعرضهما إلى إطلاق نار مباشر من قبل قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي.
* وفي نفس اليوم أيضاً، أصيب أحد مسعفي الجمعية بجروح نتيجة إطلاق جنود قوات الاحتلال النار على سيارة الإسعاف، في منطقة الجرن، شمالي القطاع، وذلك أثناء محاولة الطاقم نقل جرحى، وأصيبت سيارة الإسعاف بأضرار مادية.
* وفي حوالي الساعة الرابعة من عصر يوم 9/1/2009، أطلقت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، نيرانها تجاه قافلة كانت تضم 11 سيارة إسعاف، منها 3 تابعة للجمعية، وتتقدمها سيارة تابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر، وذلك بالقرب من مفترق الشهداء( نيتساريم سابقاً). أدي ذلك إلى إصابة موظف اللجنة الدولية للصليب الأحمر بجراح، فيما أصيبت سيارته بأضرار.
* وبتاريخ 9/1/2009 دخلت سبع سيارات إسعاف، تابعة للجمعية، ترافقها سيارات تابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر، وعدداً من المتضامنين الأجانب، إلى منطقتي الزيتون والعطاطرة، لنقل عدد من الجرحى والشهداء، حيث حاولت الجمعية على مدى الستة أيام الماضية التنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر للدخول إلى المنطقة، إلا أن جميع المحاولات فشلت. وقد نقلت طواقم الجمعية جثث ثلاثة قتلى، وقامت بنقل 6 عائلات، تضم 80 شخصاً، معظمهم من النساء والأطفال والشيوخ إلى مستشفى القدس التابع للجمعية لتلقي الرعاية الطبية. ولم تتمكن الطواقم من إكمال عملية البحث عن الجرحى والشهداء في المنطقتين بسبب تواجد قوات الاحتلال وإطلاقها للنيران تجاه المنطقة.
* وفي نفس اليوم تعرضت سيارات الإسعاف وطواقمها الطبية، التابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، إلى إطلاق نار من قبل قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي في منطقة العطاطرة في محافظة شمال غزة، أثناء محاولتها الدخول إلى المنطقة برفقة سيارة تابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر، لنقل الشهداء والجرحى. وقد لحقت أضرار مادية في إحدى سيارات الإسعاف.
* وفي نفس اليوم أيضاً أصيب سائق سيارة الإسعاف مروان حمودة، من طواقم الجمعية، بعيار ناري في قدمه الأيسر، بعد تعرضه لإطلاق النار، وهو داخل سيارة الإسعاف في منطقة جباليا شمالي القطاع.

وأفاد حمودة أن الجمعية قامت بالتنسيق مع الصليب الأحمر، وتوجه بناءً على ذلك لنقل الحالات الطارئة من مستشفى الشفاء في غزة إلى معبر رفح البري. وأضاف أن قوات الاحتلال المرابطة على الطريق الساحلي احتجزت سيارات الإسعاف، في طريق عودتها لمدة ساعتين. وقال أنه توجه إلى جباليا بعد أن سمحت القوات المحتلة لهم بالمرور. وأفاد أنه تعرض لإطلاق نار كثيف، وبشكل مباشر من قبل قوات الاحتلال، ما أدى إلى إصابته في قدمه، حيث نقل إلى المستشفى لتلقي العلاج.

دراسة حالة (2): الصليب الأحمر يدعو سلطات الاحتلال إلى احترام قواعد القانون الإنساني الدولي

شجبت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عدم سماح القوات الحربية الإسرائيلية المحتلة لرجال المهمات الطبية وطواقم الإغاثة الإنسانية من الوصول إلى الضحايا من القتلى والجرحى، وعدم تقديمهم خدمات الإسعاف والتطبيب للسكان المدنيين الذين تركوا يعانون لعدة أيام، ما فاقم حالتهم الصحية وأدت إلى مقتل عدد منهم بعد أن حرموا من الحصول على الرعاية الطبية اللازمة لهم. ووفقاً لبيان صدر عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فقد تمكنت أربع سيارات إسعاف تابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني واللجنة الدولية للصليب الأحمر، في يوم 7 كانون الثاني/يناير مساء، من الحصول للمرة الأولى على إمكانية الوصول إلى عدد من المنازل في حي الزيتون بمدينة غزة التي تضررت من القصف الإسرائيلي. وكانت اللجنة الدولية قد طلبت تأمين ممر آمن لتمكين سيارات الإسعاف من الوصول إلى هذا الحي منذ 3 كانون الثاني/يناير، لكنها لم تحصل على إذن بذلك من القوات المحتلة إلا بعد ظهر يوم 7 كانون الثاني/يناير. وقد وجد الفريق المشترك للجنة الدولية والهلال الأحمر الفلسطيني في أحد المنازل أربعة أطفال جالسين بالقرب من جثث أمهاتهم. وقد بلغوا من الوهن درجة لم يعودوا قادرين على الوقوف، وعثر أيضا على رجل على قيد الحياة، لكنه في حالة ضعف حالت دون تمكنه من الوقوف. وحسب البيان فقد وجد الفريق المشترك 12 جثة على الأقل كانت ممدة على الفرش1.

كما عثر أفراد فريق الإغاثة المشترك، بين اللجنة الدولية والهلال الأحمر الفلسطيني، على 15 شخصاً آخرين نجوا من الهجوم في منزل آخر، من بينهم عدة جرحى. كما وجدوا ثلاثة جثث إضافية في منزل آخر. وقد أمر جنود القوات المحتلة، والذين كانوا يتواجدون في موقع عسكري، يبعد 800 متراً عن ذلك المنزل، فريق الإغاثة بمغادرة المنطقة، غير أن الفريق رفض ذلك، فيما كانت تحيط بالمكان عدة مواقع عسكرية تابعة للقوات المحتلة تساندها دبابتين.

وقال السيد "بيير فيتاش"، رئيس بعثة اللجنة الدولية في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة:

" إنه حادث مروّع. من المؤكد أن القوات العسكرية الإسرائيلية كانت تعلم بهذا الوضع إلا أنها لم تقدم المساعدة إلى الجرحى. ولم تسمح لنا ولا للهلال الأحمر الفلسطيني بمساعدة الجرحى. وقد حالت جدران عالية من التراب أقامها الجيش الإسرائيلي دون وصول سيارات الإسعاف إلى الحي. ولهذا، اضطررنا إلى نقل الأطفال والجرحى إلى سيارات الإسعاف على عربة يجرها حمار. وقد تمكن الفريق المشترك بين اللجنة الدولية والهلال الأحمر الفلسطيني من إخلاء مجموع من 18 جريحا و12 شخصا آخرين كانوا منهكين للغاية. كما جرى إخلاء جثتين اثنتين. وستجمع اللجنة الدولية والهلال الأحمر الفلسطيني ما تبقى من الجثث يوم الخميس. وقد أُخبرت اللجنة الدولية بأن هناك المزيد من الجرحى يختبئون في منازل مدمرة أخرى في هذا الحي. وهي تطلب من الجيش الإسرائيلي أن يمنه لها ولسيارات الإسعاف التابعة للهلال الأحمر الفلسطيني ممراً آمناً حتى تتمكن من دخول الحي دون إبطاء للبحث عن جرحى آخرين. ولم تحصل اللجنة الدولية حتى الآن على أي تأكيد من السلطات الإسرائيلية على الترخيص لها بذلك. وترى اللجنة الدولية أن الجيش الإسرائيلي قد تخلف في هذه الحالة عن الوفاء بواجبه بموجب القانون الدولي الإنساني والذي يقضي بتوفير الرعاية للجرحى وإجلائهم. وتعتبر أن التأخير في السماح لخدمات الإغاثة بدخول الحي أمر غير مقبول. "

تفاقم معاناة الجرحى وأفراد أسرهم بسبب منع وصول الفرق والطواقم الطبية

تفاقمت معاناة السكان المدنيين وازدادت تدهوراً في المناطق التي اجتاحتها القوات الحربية الإسرائيلية المحتلة، وتمركزت فيها. وقد حرم السكان المدنيون في تلك المناطق والأحياء، وخاصة منطقة حي الزيتون في غزة، والعديد من المناطق الأخرى كمنطقة العطاطرة وحي السلاطين في محافظة شمال غزة من كافة مقومات الحياة الإنسانية، بما فيها المياه والكهرباء. كما حرم العشرات من العائلات وأفرادها من الحصول على الرعاية الصحية لانتشال وإجلاء القتلى والجرحى الذين سقطوا نتيجة القصف العشوائي الجوي والبري للقوات الحربية المحتلة. ووفقاً للإفادات التي جمعها محامو المركز وباحثوه، سقط العديد من الجرحى وفارقوا الحياة بعد أن عجزت فرق وطواقم الإسعاف عن الوصول إليهم وتطبيبهم وعلاجهم. كما تفاقمت الأوضاع الصحية للعشرات من الجرحى الآخرين الذين قضوا عدة أيام دون أن تصلهم أي فرق طبية في المنطقة.

وأفادت نهيل عبد الله ابراهيم السموني، 38 عاماً، من سكان مدينة غزة – حي الزيتون – غرب شارع صلاح الدين – بجوار مسجد التوحيد، متزوجة من المواطن نافذ أحمد محمود السموني، ولها منه 5 بنات، و 3 أبناء، أعمارهم تتراوح من 2 – 17 عام، بما يلي:

" في حوالي الساعة الخامسة من فجر يوم الأحد، الموافق 4/1/2009، كنت أنا وأسرتي في منزلنا المكون من طابقين نختبئ في غرفة بالطابق الأرضي، وذلك بسبب صوت الإنفجارات والقذائف والأعيرة النارية التي تحدثها قوات الجيش الإسرائيلي خلال اجتياحها شرق مدينة غزة. وفجأة وقع انفجار شديد انهار المنزل علينا بسبب استهدافه بصاروخ من قبل الجيش الإسرائيلي، وبحمد الله خرجنا جميعنا من المنزل بأعجوبة سالمين حيث لم يصب أحد منا، وتوجهنا إلى منزل ابن عم زوجي الواقع بالقرب منا ويدعى طلال حلمي محمود السموني، مكون من ثلاث طوابق مسقوف بالباطون. وأثناء تواجدنا في هذا المنزل شاهدت جنود من قوات الجيش الإسرائيلي في منزل مجاور له، وبعد ساعات بدأ الجيش الإسرائيلي بإخلاء المنازل في منطقتنا من ساكنيها ونحن معهم، ووضعونا في منزل وائل السموني المكون من طابق ارضي مسقوف بالباطون غير المجهز بشكل كامل للسكن. وكنا حوالي 7 عائلات، حيث قام الجنود بتفتيش كل الشباب وأخذ الجوالات منهم والهويات ومكثنا في منزل وائل لمدة يوم كامل. وفي فجر يوم الأثنين 5/1/2009، وبعد شروق الشمس كان الهدوء يعم على المنطقة، وكنا قلقين على شقيق زوجي الذي كان يسكن في غرفة بين الأشجار في هذه المنطقة، حاول بعض الشبان الخروج من منزل وائل لإحضاره ليكون معنا. وفي حوالي الساعة التاسعة صباحاً أطلقت علينا قوات الجيش الإسرائيلي قذيفة أو صاروخ أصابت 5 أشخاص، اثنان منهما فارقا الحياة، وبدأنا بإسعاف الباقين وتضميد جراحهم. فأطلقت علينا قذيفة أو صاروخ آخر على المنزل من الناحية الخلفية، وشعرت حينها بدوار من الرائحة والغبار الذي استنشقته وارتميت على الأرض وأبنائي يصرخون من حولي، فيما أصيب زوجي في ساقه. فخلعت عن رأسي الشالة وربطت جرحه، ولكن دون جدوى حيث كانت الدماء تنزف منه. وخلال لحظات طلب منا بعض الشباب الذين كانوا في المنزل أن نخلي المنزل ونخرج منه. كان عدد السكان الموجودين في منزل وائل لحظة قصفه حوالي 80 شخصاً، وبدأنا بالخروج من داخله رافعين أيدينا للأعلى ونحمل الرايات. وكنا نسير ونطلب من أفراد الجيش الإسرائيلي المتمركزين بدباباتهم في المنطقة أن يرحمونا. خرجنا نركض إلى الشارع، وخلال ذلك سمع الجيران صراخنا وشاهدونا نجري فخرجوا من منازلهم وركضوا معنا وهم يصرخون. وفي هذه اللحظات تفقدت أبنائي ونحن في الطريق إلى الشارع، فلم أجد ابني أحمد، ولم أستطع أن أعود لأعرف أين هو وما هو مصيره. وكنت قد تركت زوجي نافذ مصاباً وملقى على الأرض في مكانه في المنزل. وخلال عملية الإخلاء فتحت دبابة كانت تصوب فوهتها باتجاهنا النيران على الأرض من حولنا، وكنا نهرب باتجاه الناحية الشمالية. وبعد أن آوونا الناس بدأنا نشعر بسلام حيث أننا نجونا بأعجوبة. وبعد ثلاثة أيام، وبتاريخ 7/1/2009، تمكنت طواقم الإسعاف من الوصول إلى منطقة سكنانا، وبدأت بإخلاء الجرحى والقتلى. وبعد أن علمت ذلك توجهت إلى مستشفى القدس وكان من ضمن المصابين ابني أحمد وزوجي نافذ، وقد تم إجراء العلاج اللازم لهما. وقد قتل وأصيب العديد من أفراد عائلة السموني وعائلات أخرى، وحتى الآن يوجد في منزل وائل السموني المكان الذي كنت أتواجد فيه واستهدف بالقصف الإسرائيلي، عدد من القتلى لم يتمكن رجال الإسعاف من إخلائهم. وكانت عملية القصف دون أي مبرر، حيث أنه لم يكن هناك أي اشتباكات أو أحداث تستدعي استهدافنا واستهداف أسر مدنيين بنسائهم وأطفالهم وشيوخهم، وكل ذلك تم خلال عملية الاجتياح الإسرائيلي وسيطرة الجيش الإسرائيلي بشكل كامل على منطقتنا وهي عبارة عن مجموعة من المنازل الملاصقة لبعضها لعائلة السموني وعائلات أخرى ومنازل أخرى مدنية في أماكن متفرقة.".
تدهور الأوضاع الصحية والإنسانية في قطاع غزة

ومن ناحية أخرى، تزداد الأوضاع الصحية والإنسانية في قطاع غزة تدهوراً خاصة مع استمرار استهداف القوات الحربية المحتلة للمنشآت الطبية، وتعرضها لأضرار جسيمة. ويتزامن ذلك مع النقص الشديد في رسالات الأدوية والعلاجات والمستهلكات الطبية في مستشفيات القطاع ومراكزها الطبية.

ويتزامن ذلك التدهور المستمر مع منع السلطات الحربية الإسرائيلية المحتلة كافة مرضى القطاع، والذين يحتاجون رعاية طبية لا تتوفر في مشافي القطاع، من السفر عبر معبر بيت حانون(إيريز)، إلى المستشفيات في الضفة الغربية و/ أو اسرائيل، منذ بدء العدوان على القطاع في 27/12/2008. وجراء ذلك تفاقمت الأوضاع الصحية لمرضى القطاع، وخاصة مرضى السرطان، مرضى القلب والشرايين، مرضى الكلى والمرضى الذين لا يتوفر إمكانية علاجهم في المستشفيات والمراكز الطبية في قطاع غزة، بسبب تدهور البنية التحتية للخدمات الصحية في القطاع. جدير بالذكر أن ما بين 30- 50 مريضاً ومريضة من سكان القطاع كان يجري تحويلهم يومياً إلى المستشفيات الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة أو إلى المستشفيات الإسرائيلية، وذلك قبل تشديد الحصار الشامل المفروض على سكان قطاع غزة المدنيين.

وقد وثق المركز العديد من عمليات القصف الجوي والبري التي طالت العديد من فرق وطواقم الإسعاف، فضلاً عن المنشآت الطبية. وفيما يلي أبرزها:

بتاريخ 27/12/2008، وفي حوالي الساعة 25: 11 صباحاً، قصفت الطائرات الحربية الإسرائيلية المحتلة مبنى دائرة الضريبة القيمة المضافة( مقر مديرية الأمن الوقائي سابقاً) في حي تل الهوى في مدينة غزة. أسفر القصف عن تدمير العديد من المباني فيه، فيما أصيب أحد المباني الرئيسية لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني والمقابل له، والمكون من 13 طابقاً، بأضرار بالغة نجم عنها تحطم كافة نوافذه وأبواب الغرف. كما أصيب مبنى الإدارة العامة للإسعاف والطوارئ التابع للجمعية، والواقع شرق المبنى المستهدف، بأضرار جسيمة هو الآخر، حيث تحطمت كافة النوافذ والأبواب، فضلاً عن تصدع في جدرانه.

وقد تعرضت مباني جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في نفس المكان، بما فيها مستشفى القدس التابع لها، إلى أضرار بالغة، عندما تكرر قصف كل من مبنى الأمن الوقائي سابقاً، ومقر وزارة الداخلية غربي المبنى، عدة مرات. وقد تصدعت العديد من نوافذ وأبواب المبنى بسبب تكرار عمليات القصف على مدار الأيام الخمسة الأولى من العدوان.

وفي حوالي الساعة 1:00 فجر الأحد الموافق 28/12/2008، قصفت الطائرات الحربية مسجد البورنو الملاصق لمستشفى مجمع الشفاء الطبي. أسفر القصف عن إصابة مجمع الشفاء الطبي، المستشفى الرئيسي في قطاع غزة، بأضرار بالغة. وجراء ذلك أصيب المبنى الرئيسي فيه، والذي يحتوي أقسام الاستقبال والطوارئ، الجراحة، العظام، والعناية المركزة، حيث تحطمت معظم الشبابيك والأبواب فيها. كما أصيب مبنى الإدارة العامة وقسم الأشعة بأضرار جسيمة أدت إلى تحطيم الشبابيك والأبواب.

وفي حوالي الساعة 2:00 فجر الثلاثاء الموافق 30/12/2008، قصفت طائرة إسرائيلية من طراز F16 مسجد الفاروق عمر بن الخطاب، في بلوك (9) في مخيم البريج بصاروخ واحد. أسفر ذلك عن تدمير المسجد بشكل كلي وإحداث أضرار جزئية بالغة في روضة سنابل الأقصى التي تقع في الطابق الأرضي لبناية المسجد المقام على مساحة 600م2. كما أسفر القصف أيضا عن تدمير كامل محتويات عيادة البريج الحكومية الملاصقة للمسجد.

بتاريخ 3/1/2009 قصفت الطائرات الحربية للقوات المحتلة مقر الدفاع المدني الواقع على طريق بني سهيلا- عبسان الرئيسي، شرقي مدينة خان يونس. أسفر القصف عن تدمير كامل المبنى، فيما لحقت أضراراً بالغة في المباني المجاورة له.

وفي الساعة 1:00 فجر يوم الاثنين، الموافق 5/1/2009، أطلقت طائرة أف 16 صاروخاً باتجاه جمعية اتحاد لجان الرعاية الصحية في حي الرمال في مدينة غزة، ما أدى إلى تدميرها بالكامل، بالإضافة إلى تدمير 3 عيادات طبية متنقلة بداخلها.

بتاريخ 7/1/2009 قصفت طائرة حربية للقوات الحربية الإسرائيلية المحتلة مقر الدفاع المدني في مدينة رفح. أسفر القصف عن تدمير أحد مكاتب المبنى بالكامل، فيما تعرضت المباني المجاورة له لأضرار بالغة، حيث تحطمت أبوابها ونوافذها، ولم يبلغ عن وقوع إصابات.

وفي حوالي الساعة 8:30 صباح يوم السبت، الموافق 10/1/2009، قصفت طائرات الاحتلال، الجدار الشمالي لمستشفى غزة الأوروبي جنوب شرق خان يونس، ما أدى ذلك إلى تدمير حوالي 20 متراً من الجدار، وإلحاق أضرار بخط المياه الرئيسي وشبكة الكهرباء، ومولد الكهرباء وخزانات السولار، وفقد كميات كبيرة منها، وإصابة احد الموظفين بحالة صدمة، فضلاً عن الرعب الذي تسببه للمرضى في المستشفى.

وتعاني المستشفيات والمراكز الطبية في مختلف محافظات القطاع من عجز شديد ناجم عن تعطل العشرات من الأجهزة والمعدات الطبية، وعدم توفر قطع غيار لها. وتفيد وزارة الصحة أن أكثر من 220 جهازاً طبياً بحاجة إلى الصيانة وقطع الغيار غير المتوفرة بسبب الحصار الجائر المفروض على القطاع منذ أكثر من 18 شهراً. كما تعاني من نفاذ أكثر من 105 أصناف من الأدوية المختلفة، والتي وصل رصيدها إلى الصفر، فيما يزيد عدد الأصناف من المستلزمات والمستهلكات الطبية التي نفذت عن 225 صنفاً.

الخلاصة

يحذر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان من استمرار قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي في تصعيد هجماتها ضد أفراد المهمات الطبية، وطواقم المسعفين وسيارات الإسعاف الفلسطينية. ويستهجن المركز عدم قيام القوات المحتلة حتى هذه اللحظة، على المستوى العسكري أو السياسي في حكومة الاحتلال، بفتح أي تحقيق جدي في ظروف وملابسات الانتهاكات الجسيمة والصارخة التي نفذها، ولا يزال ينفذها، أفراد قواتها ضد العديد من الأطباء والممرضين والمسعفين. إن ذلك يشير إلى صدور تعليمات عليا، ربما من قيادة هذه القوات، أو على المستوى الحكومي الإسرائيلي، بالتعرض للعاملين في المجال الطبي، لترويعهم ومنعهم من أداء مهامهم الإنسانية تجاه الجرحى والمرضى الفلسطينيين. إن ارتفاع عدد الضحايا، من الشهداء والجرحى، في صفوف الفرق الطبية العاملة في مواقع المواجهات، والأضرار الجسيمة التي تعرضت لها عربات الإسعاف، والاعتداءات المتكررة على المستشفيات الميدانية والمراكز الطبية، تدلل بشكل جلي على عدم امتثال دولة الاحتلال لقواعد القانون الدولي الإنساني.

المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان يدين، مؤامرة الصمت المريبة التي ينتهجها المجتمع الدولي تجاه جرائم الحرب التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد فرق العمل الإنسانية، بما فيها فرق الإسعافات وطواقمها المحلية والدولية. كما يستغرب المركز الدور المريب الذي تلعبه الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، تجاه الانتهاكات الجسيمة وجرائم الحرب التي ترتكب ضد المدنيين الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويتساءل إن كانت هذه الأطراف تعمل حقيقة على ضمان احترام وتطبيق هذه الاتفاقية من قبل دولة أخرى طرف فيها. ويدعو المركز المجتمع الدولي للتحرك العاجل من أجل وقف أعمال القتل التي تمارس على مرأى ومشهد هذه الدول. كما يدعو إلى تفعيل كل ما من شأنه وقف المجازر الدموية، التي ترتكب بحق السكان الفلسطينيين المدنيين، والطواقم الطبية ووسائل نقل الجرحى والمرضى والمصابين. ويدعو بشكل خاص:

* المجتمع الدولي، ومن خلال مجلس الأمن الدولي، إلى اتخاذ خطوات فورية، من شأنها وقف العدوان المستمر على القطاع، ووقف الانتهاكات الجسيمة والخطرة التي تمارسها دولة الاحتلال الحربي الإسرائيلي ضد المدنيين الفلسطينيين، والتي ترتقي لكونها جرائم حرب.
* الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، وذلك للبحث في تطبيق أحكام الاتفاقية على وضع الأراضي الفلسطينية المحتلة لضمان احترامها. والعمل الفوري على تفعيل المادة الأولى والثانية والمواد 146، 147، من أجل ضمان التزام دولة الاحتلال الحربي الإسرائيلي بأحكام الاتفاقية.
* ضمان توفير الحماية الدولية الفورية للسكان المدنيين الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، من كافة الانتهاكات الصارخة التي أفضت إليها ممارسات قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، وتسببت في عمليات قتل واسعة النطاق، خاصة في صفوف المدنيين والأشخاص الذين يتمتعون بحماية خاصة كالطواقم الطبية وفرق الإغاثة الإنسانية.
* التحرك الفوري والعاجل من قبل الاتحاد الأوروبي، تجاه دولة الاحتلال الإسرائيلي، وعلى أساس تفعيل المادة الثانية من اتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية، والتي تشترط احترام إسرائيل للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، باعتبار الدور الأوروبي الأكثر فعالية لكونها الشريك الاقتصادي الأول لحكومة الاحتلال.
* الإسراع في تقديم المساعدات الإنسانية والطبية الفورية، بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للشعب الفلسطيني في قطاع غزة، والتي نتجت عن سياسة الحصار والاعتداء على الممتلكات الفلسطينية.
* التدخل الحازم للمجتمع الدولي، وخاصة من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لاتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان وصول الإمدادات الطبية وجميع رسالات الأدوية، والأغذية الضرورية، والملابس، والمقويات اللازمة للأطفال والنساء الحوامل.
* تفعيل دور المنظمات الدولية، وخاصة منظمة الصحة العالمية، من أجل وقف الانتهاكات الجسيمة ضد الفرق الطبية الفلسطينية، ومركبات نقل وإسعاف الجرحى والمرضى والحوامل.

إن المجتمع الدولي بكافة مؤسساته ينبغي له أن يقف أمام مسؤوليته الأخلاقية والقانونية والسياسية، خاصة في ضوء إعلان وزارة الصحة الفلسطينية عن بدء كارثة صحية شاملة في قطاع غزة، والتي تسببت في إغلاق المئات من المؤسسات والعيادات الطبية الحكومية والأهلية والخاصة في كافة مخيمات ومدن وقرى القطاع، بسبب الحصار الشامل المفروض عليه منذ أكثر من 18 شهراً، والذي أدى إلى نقص شديد في إمداداته من رسالات الأدوية والأغذية والعلاجات والمستلزمات الطبية. إن كافة البرامج الصحية التي تقوم بها مئات المستشفيات والمستوصفات والعيادات الطبية المختلفة والمنتشرة في قطاع غزة المحتلة لم تعد قادرة على فتح أبوابها لعدم تمكن العاملين فيها من وصولها من ناحية، ومن ناحية أخرى لمنع وصول الإمدادات الطبية ورسالات الأدوية والمهمات الطبية إليها. إن كارثة على المستوى الإنساني قد بدأت فيها، يخشى منها على حياة السكان عامة، وعلى الأطفال المرضى والنساء الحوامل والنفاس وكبار السن. لقد توقفت العديد من برامج التطعيمات الخاصة بالأطفال وبرامج الرعاية الصحية المختلفة الخاصة بالنساء الحوامل وعلاج الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة.