بيان من اللجنة المصرية للحق في الصحة

انتصار هام ومعارك كبيرة قادمة

بيان لجنة الدفاع عن الحق فى الصحة رقم 5

صدر يوم الخميس الموافق 4 سبتمبر الحالى حكم محكمة القضاء الإدارى فى القضية رقم 21665/61 بوقف تنفيذ قرار رئيس الوزراء رقم 637 لسنة 2007 بإنشاء الشركة المصرية القابضة للرعاية الصحية التى تنتقل إليها كل ممتلكات وأصول التأمين الصحى. ولعل أهم ما فى الحكم هو الأسباب التى بنى عليها إذ ينص (حسب ما نشر بجريدة الجمهورية بالمانشيت الرئيسى عدد الجمعة 5 سبتمبر 2008) على أن "الرعاية الصحية ليست مجالا للاستثمار والمساومة والاحتكار" و "أن الاتجاه للاقتصاد الحر لا ينبغى أن يسلب حق المواطن الرعاية الصحية عن طريق الدولة، ومن القواعد ألا تتخلى الدولة عن دورها فى الخدمات الاجتماعية أو الصحية أو تعهد بها إلى وحدات اقتصادية (أى الشركة القابضة وشركاتها التابعة) حتى ولو كانت تابعة لها لأنها تهدف إلى الربح" (التشديد وما بين الأقواس من عندنا).

والقضية –التى تضم خمس قضايا منفصلة تم رفعها ضد قرار رئيس الوزراء لوحدة الموضوع- رفعتها جمعيات منتمية للجنة الدفاع عن الحق فى الصحة التى تشكلت من القوى الاجتماعية الرافضة لقرار رئيس الوزراء ولمنطق خصخصة العلاج فى مصر وتبنتها اللجنة. والحكم ليس نهائيا فهو حكم فى الشق المستعجل القاضى بوقف تنفيذ القرار نتيجة لاقتناع المحكمة بخطورة القرار والآثار الفادحة التى يمكن أن تنتج عن تنفيذه بما يبرر وقف التنفيذ، أما الحكم النهائى فهو متروك لمحكمة الموضوع والمرافعة وما زال أمامه وقت. إلا أن هذا لا يقلل من قيمة الانتصار الذى تم، خصوصا وكانت هيئة التأمين الصحى قد بدأت الإجراءات العملية لتنفيذ قرار الشركة القابضة فعليا مع توقعاتها بأن يصدر الحكم فى صالحها.

ومن المفارقات أن يأتى هذا الحكم فى التوقيت الذى تستعد فيه قوى الخصخصة لتنفيذ هجمة كبيرة على الحق فى الصحة: فمع اقتراب الموسم التشريعى بافتتاح الدورة البرلمانية الجديدة الشهر القادم انهالت تصريحات رسمية وشبه رسمية حول خطوات ضخمة لخصخصة الصحة والعلاج، كان نصيب الأسد فيها للدكتور إيهاب أبو المجد رئيس شعبة شركات الرعاية الصحية باتحاد الصناعات الذى صرح بأن قانون شركات التأمين الصحى الخاصة فى المراحل النهائية للإعداد تمهيدا لعرضه –هو وقانون التأمين الصحى- على مجلس الشعب بمجرد افتتاحه.

وتحدث الدكتور أبو المجد، وهو نفسه أحد أعضاء لجنة وضع قانون شركات تقديم الرعاية الصحية، أن وزير المالية قد أقر المشروع وسوف يعرض المشروع على مجلس الوزراء لإقراره تمهيدا لإحالته إلى مجلس الشعب لإقراره كما سبق الإشارة. ثم عاد فتحدث عن عرضه أولا على لجنة السياسات قبل عرضه على مجلس الوزراء حتى تم لومه على تلك التصريحات بالقول أن هذا الحديث سابق لأوانه. وجريا على عادة الحكومة فى الحديث عن الديمقراطية والشفافية مع تنفيذ عكسها بالضبط فلم تنشر الحكومة مشروع القانون رغم الحديث عن السرعة التى سيتم بها إقراره، كذلك لم تنشر الحكومة تعديلات مشروع التأمين الصحى الذى ادعت فيه أنها أخذت انتقادات المعارضة بعين الاعتبار وكأن المعارضة قد أعطت الحكومة توكيلا يغنيها عن نشر مشروع القانون المعدل.

القانون يمهد لإدارة القطاع الخاص للنظام الصحى فى مصر تحت إشراف الدولة

لقد اعتبر أحد أنصار قانون شركات الرعاية الصحية الخاصة -عن حق- أن القانون "خطوة على طريق إدارة القطاع الخاص للنظام الصحى فى مصر، وتحت إشراف الدولة" على حد قوله، وذلك بعد الانتهاء من إقرار قانون تنظيم شركات الرعاية الصحية، وقانون التأمين الصحى الاجتماعى الجديد، بحيث تقدم الدولة حزمة خدمات أساسية وتقدم هذه الشركات ما دون ذلك من خدمات. فالقانون الجديد يخضع شركات التأمين الصحى الخاصة لإشراف الدولة من الجهتين المالية (إدارة الرقابة على التأمين بوزارة المالية) والفنية (وزارة الصحة) فى مقابل إدماجها فى جسم التأمين وتحولها من مجرد ملجأ اختيارى كما هى الآن إلى المقدم الوحيد لعدد من الخدمات الصحية التى تنسحب منها الدولة. ويتضح هنا مغزى انسحاب الدولة من تقديم خدمات رغم أن التأمين الصحى الحالى لا يخسر عندما يقدم الخدمات غير منقوصة: فهذا شرط ضرورى لازدهار سوق القطاع الخاص بترك "الزبائن" له دون غطاء من تأمين صحى حقيقى! والقانون يسمح لشركات التأمين الصحى الأجنبية بدخول السوق بشرط مشاركتها مع أحد الشركات المصرية، ومعروف طبعا أن الشركات الأجنبية لا يمكن أن تدخل من أجل اعتصار الربح من المرضى المصريين ولكن حبا فى عيونهم!

هذا وقد أصدرت الهيئة المصرية للرقابة على التأمين كتابا عن دورة نظمتها لشركات التأمين الصحى الخاصة لتسويق هذا النوع من التأمين وتوعية شركاته بمكاسبه الهامة (!) فنصحتها بالمشاركة فى إنشاء الشركة المصرية القابضة لإعادة التأمين، وبهذا يتضح الطابع الاحتكارى الكبير للتأمين الصحى الخاص وبالتالى احتياجه للمشاركة مع رأس المال العربى والأجنبى! بل لقد نصحت الهيئة الحكومية الشركات –نظرا لارتفاع قيمة الأدوية مع تسعيرها- نصحت الشركات بشراء سلاسل صيدليات تجبر المؤمن عليهم معها على الشراء منها! وتكملة القصة لابد وأن تكون بالطبع بشراء معامل التحاليل (لاحظ قيام أحد المستثمرين الخليجيين مؤخرا بشراء معمل البرج بفروعه المنتشرة الكثيرة بسعر 1200 مليون جنية مصرى) ومراكز الأشعة، وكذلك بالطبع المستشفيات الحكومية الرخيصة التى سوف تباع أثناء الخصخصة إذا ما تم تنفيذ مشروع الشركات القابضة واقتراح حاتم الجبلى وزير الصحة بتحويل مستشفيات الوزارة إلى شركات!

ولهذ السبب يتحدث الدكتور إيهاب أبو المجد عن تكامل دور شركات التأمين الصحى الخاصة مع دور التأمين الصحى الحكومى وتكامل قانون تلك الشركات مع قانون التأمين الصحى بحيث يعلن أنهم سيدخلون سويا إلى مجلس الشعب، بل ويصرح ببنود فى قانون التأمين الصحى مثل تخليه عن خدمات علاج الأسنان والنظارات وتخفيض تغطية القانون إلى 30% من سعر الدواء بينما يغطى المواطن النسبة الباقية سواء من جيبه أو بلجوءه إلى التأمين الإضافى عليها فى شركات الرعاية الصحية (شركات التأمين الصحى الخاص)!!

إن الأساس الفعلى لمخطط خصخصة الصحة الجارى فى المجال الصحى هو البرنامج الذى اتفقت عليه الحكومة مع مؤسسات التمويل الدولية (البنك الدولى، صندوق النقد الدولى وهيئة المعونة الأمريكية) فيما عرف ببرنامج الإصلاح الصحى. ولعل أوجز وأفضل تعبير عن هذا المخطط هو تصريح الدكتور حاتم الجبلى وزير الصحة حول أن القطاع الخاص باعتباره يقود عملية التنمية هو المؤهل لتقديم أكثر من 70% من الخدمات الصحية بما فيها التأمين الصحى.

ولما كان الوضع الراهن هو أن المقدم الرئيسى للخدمة فى القطاع الصحى الحالى هو قطاع غير ربحى (متمثلا فى هيئة التأمين الصحى والمستشفيات الجامعية وهيئة المستشفيات والمعاهد التعليمية والمؤسسة العلاجية وجميعها مؤسسات غير هادفة للربح) فإن الانتقال إلى وضع يصبح فيه القطاع الخاص هو المقدم الرئيسى للخدمة يتضمن:

- انسحاب الممولين الرئيسسين للخدمات العلاجية فى مصر –أى التأمين الصحى والعلاج على نفقة الدولة- من تقديم عدد من الخدمات العلاجية لترك الفرصة للقطاع الخاص لتقديمها (أى تقديم الزبائن إلى القطاع الخاص) وهو ما يتحقق بواسطة قانون التأمين الصحى الجديد الذى يلغى مبدأ المساواة بين الموطنين فى حزمة علاجية واحدة شاملة ويصطنع المبدأ التجارى لحزم الخدمات العلاجية المتعددة (من كل على قد فلوسه) وهو ما يروج له وزير الصحة تحت عنوان بوالص تأمينية متعددة.

- تقدم القطاع الخاص الربحى ليحل محل القطاع غير الربحى فى مجال تنظيم تقديم الخدمات التأمينية وهو ما يتحقق بواسطة قانون شركات التأمين الصحى الخاصة التى تبدأ بمشاركة هيئة التأمين الصحى فى مجال تقديم الخدمات التى تنسحب منها الأخيرة وتنتهى بتحويل الخدمة التأمينية بالكامل إلى عملية تجارية فى يد الشركات. وقد عبر وزير الصحة فى حديثه التفصيلى إلى جريدة الجمهورية عن نيته فى تحويل حتى تأمين إصابات العمل إلى بوليصة خاصة تصدرها شركة تأمين تجارية.

- إدارة أصول هيئة التأمين الصحى وباقى أصول وزارة الصحة على أساس ربحى (كشركات تجارية قابضة) بدلا من إدارتها كهيئات غير ربحية حاليا (مؤسسات لا تهدف للربح بحكم قوانين وقرارات إنشائها) وهو ما يحققه قرار رئيس الوزراء رقم 637 لسنة 2007 بإنشاء الشركة المصرية القابضة للرعاية الصحية التى تنتقل إليها مستشفيات وعيادات وصيدليات هيئة التأمين الصحى، وهو ما أوقف الحكم الأخير تنفيذه (مع ما أعلنه وزير الصحة عن نيته فى تحويل هيئة المستشفيات والمعاهد التعليمية، ومرفق الإسعاف إلى شركات قابضة). ولا تمثل تلك الإدارة إلا مرحلة وسيطة تتبعها مرحلة بيع أصول تلك المؤسسات للقطاع الخاص للقطاع الخاص كما يتضح فى سماح قرار إنشاء الشركة القابضة بالبيع والمشاركة مع القطاع الخاص والأفراد. أما عملية البيع فسوف تتم بالبخس –ليس فقط كما تمت عمليات الخصخصة السابقة- بل أيضا كما ينص قرار رئيس الوزراء المشار إليه بتقييم الأصول بالقمية الدفترية وهو ليس سوى نسبة بسيطة من قيمتها السوقية الحالية. وواضح أن كل ها يتسق بالطبع مع انسحاب قطاع الدولة بكافة أشكاله وقطاع التأمين الاجتماعى من الخدمة لكى يصبح القطاع الخاص هو المقدم الرئيسى للخدمة كما يقولون.

ونلاحظ هنا الحديث الحكومى المنافق عن أهمية فصل التمويل عن الخدمة، فلا يجب على حد قولهم أن تجمع هيئة التأمين الصحى بين امتلاك المستشفيات والعيادات وبين تقديم الخدمة بها. إلا أن الحرام على هيئة التأمين الصحى والهيئات غير الربحية التابعة للدولة يصبح حلالا على شركات التأمين الخاصة التى تجمع –فى إطار ربحى- بين تقديم الخدمة التأمينية وبين امتلاك الصيدليات كما ينصحها ممثلوا الحكومة (هيئة الرقابة على التأمين بوزارة المالية) ودون أن نسمع عن أى بند فى قانون شركات التأمين الخاصة يمنعها من امتلاك المستشفيات والصيدليات والمعامل، فهناك حرية تكوين احتكارات القطاع الخاص وما أسطورة فصل التمويل عن الخدمة إلا وسيلة لخصخصة المؤسسات الوطنية وبيعها.

إن احتفالنا بوقف العمل بقرار رئيس الوزراء بإنشاء الشركة المصرية القابضة للرعاية الصحية –وهو أحد ثلاثة محاور للخصخصة- يجب أن يدفعنا للتصدى النشط لخطة الحكومة لتمرير المحورين الآخرين فور افتتاح الدورة البرلمانية الجديدة، أى قانون التأمين الصحى الجديد وقانون شركات التأمين الخاصة.